محمد بن جرير الطبري
400
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كان طالوت أميرا على الجيش ، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته ، فقال داود لطالوت : ماذا لي فأقتل جالوت ؟ قال : لك ثلث مالي ، وأنكحك ابنتي . فأخذ مخلاته ، فجعل فيها ثلاث مروات ، ثم سمى حجارته تلك إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ثم أدخل يده فقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب فخرج على إبراهيم ، فجعله في مرجمته ، فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه ، وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابنا له ، وكان داود أصغر بنيه . فأتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته . فقال : أبشر يا بني ، فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى قال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال ، فوجدت أسدا رابضا ، فركبت عليه ، فأخذت بأذنيه ، فلم يهجني . قال : أبشر يا بني ، فإن هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه إني لأَمشي بين الجبال ، فأسبح ، فما يبقى جبل إلا سبح معي . فقال : أبشر يا بني ، فإن هذا خير أعطاكه الله . وكان داود راعيا ، وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام . فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد ، فبعث به إلى طالوت ، فقال : إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه ، يكون على رأسه كهيئة الإِكليل ، ويدخل في هذا الثوب فيملؤه . فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم ، فلم يوافقه منهم أحد . فلما فرغوا ، قال طالوت لأَبي داود : هل بقي لك من ولد لم يشهدنا ؟ قال : نعم ، بقي ابني داود ، وهو يأتينا بطعامنا . فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار ، فكلمنه ، وقلن له : خذنا يا داود تقتل بنا جالوت قال : فأخذهن فجعلهن في مخلاته . وكان طالوت قال : من قتل جالوت زوجته ابنتي ، وأجريت خاتمه في ملكي . فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه ، فغلى حتى أدهن منه ، ولبس الثوب فملأَه ، وكان رجلا مسقاما مصفارا ، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه . فلما لبسه داود تضايق الثوب عليه حتى تنقض . ثم مشى إلى جالوت ، وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم ؛ فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه ، فقال له : يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك قال داود : لا ، بل أنا أقتلك . فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة ، كلما رفع حجرا سماه ، فقال : هذا باسم أبي إبراهيم ، والثاني باسم أبي إسحاق ، والثالث باسم أبي إسرائيل . ثم أدار القذافة فعادت الأَحجار حجرا واحدا ، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت ، فنقب رأسه فقتله . ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه ، حتى لم يكن بحيالها أحد . فهزموهم عند ذلك ، وقتل داود جالوت . ورجع طالوت ، فأنكح داود ابنته ، وأجرى خاتمه في ملكه ؛ فمال الناس إلى داود فأحبوه . فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده ، فأراد قتله . فعلم به داود أنه يريد به ذلك ، فسجى له زق خمر في مضجعه ، فدخل طالوت إلى منام داود ، وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه ، فسالت الخمر منه ، فوقعت قطرة من خمر في فيه ، فقال : يرحم الله داود ما كان أكثر